الأربعاء، مارس 14، 2007

حوار مع جليلة بكّار


"الموقف" تحاور جليلة بكّار


أؤمن بالقوى التقدّميّة لكن على التقدّميّين في بلادنا ان يطوّروا خطابهم وآليّاتهم

كعادتها كانت متألّقة، مبتسمة، وغاية في الرقّة والتواضع عندما استقبلتني في قُمرتها الخاصّة ساعات قليلة قبل اعتلائها خشبة المسرح البلدي بالعاصمة. وأجابت بحسّ الفنان المرهف وبحماس وصراحة الشباب المتمسّك حتّى النهاية بمبادئه وأحلامه، على أسئلة حارقة تجول بخاطر كلّ من شاهد "خمسون" المسرحيّة-الحدث الأخيرة لفرقة "فاميليا"، هذه "القنبلة الفنيّة" التي أسالت قبل السماح بعرضها وبعده الكثير من الحبر والجدال.

الموقف: السؤال الأوّل الذي يطرح نفسه بداهة، هو كيف تفسّرين تغيّر موقف السلطة وسماحها بعرض المسرحيّة بعد ان رفضت ذلك في البداية؟

ج.ب: لست أدري بالتحديد، لكن يبدو انّ الأمور أخذت منعرجًا غير مُتوقَّع، خاصّة مع حملة التضامن الواسعة التي لقيَتها المسرحيّة داخل تونس وخارجها، فالتعاطف تجاوز دائرة الفنّانين والمُثقّفين ليصل الى عامّة الناس الذين لم يعودوا يستحون أو يخافون من التعبير عن رأيهم، فأظهروا مساندتهم لحقّنا في حرّية التعبير والإبداع الفنّي في وسائل الإعلام التقليديّة، وأيضًا على الأنترنات الزاخر بفضاءات الحوار والتعبير. أنا أعتقد انّ الجمهور التونسي دافع عن حقّه في الفنّ الذي يتحدّث عنه وعن شواغله.

الموقف: الكثير من النقد تعرّضت له المسرحيّة و أصحابها من بعض الأقلام اليساريّة التي اتهمّتكم بالإنتقائيّة في الأحداث التاريخيّة والإنهزاميّة وغيرها من التهم، ماذا تردّين على ذلك؟

ج.ب: لا يقلقنا النقد، لكنّنا لم ندّعي أنّنا قدّمنا في مسرحيّتنا درس تاريخ أو أطروحة ايديولوجيّة. "خمسون" هي نظرة حاولنا ان تكون شاملة، قدّمها فنانون يرصدون على طريقتهم الحالة السياسيّة والإجتماعيّة للبلاد، وذلك من خلال شخصيّات حاولنا ان تكون متعدّدة وممثّلة لشرائح مختلفة من التونسيّين والتونسيّات. فنحن صوّرنا أربع فئات : الإخوان، الرفاق، الزملاء والمواطنون العاديّون وعملنا عليهم فنيًا. لا ندّعي انّ عملنا كامل ولكنّنا نعتقد أنّنا تحدّثنا بصدق عمّا نعرفه أكثر وعمّا عايشناه.

أمّا بالنسبة لموضوع الإنهزاميّة و"موت اليسار" فأنا استغرب ما قيل حقًا، فأنا لا أعتقد انّ اليسار والقوى الحداثيّة في تونس قد ماتت، أكيد انّها ارتكبت أخطاء لكنّها لم تمت بل ومازالت تناضل في مجالات ومستويات عدّة، منها الحقل الثقافي. وفي مسرحيّتنا بيدو انّ البعض لم يلحظ انّنا أخترنا أكثر من ممثّل لليسار عكسوا واقعه الحالي، فإلى جانب شخصيّة "يوسف" التّي مثّلت رفض الواقع والإنغلاق على الذات، كانت هناك أيضًا شخصيّة "مريم" الحقوقيّة التي لم تستسلم وحاولت انقاذ ابنتها من براثن التطرّف، محاولة في نفس الوقت البحث في أسباب ما جرى لليسار من خلال ما حصل لإبنتها، وأيضًا شخصيّة المناضلة الشابّة المتمسّكة بالمبادئ التقدّميّة، وشخصيّة الشاعر الثمل المكتفي بالتغنّي بالشعارات الجميلة وشخصيّة المحامية التي توهم نفسها بعدم تغيّر الواقع. أنا أؤمن بالقوى التقدّميّة ولكن على التقدّميّين في بلادنا ان يطوّروا من خطابهم وآليّات نضالهم.

الموقف: يرى البعض من منتَقديكم انّكم بدَوْتُم في عملكم الأخير متعاطفين نوعًا ما مع التيّار الديني، فهل هذا يدلّ على مراجعة لنظرتكم له أم ينمّ عن نضج سياسي أم ماذا؟

ج.ب: كلّ ما في الأمر أنّنا نعيش في مجتمع أغلبه مسلمون، ولايمكن ان نقول أنّهم جميعًا اسلاميّون. فقط حاولنا في تناولنا لهذه الظاهرة ان نكون نسبيّين، اذ أخذنا أكثر من نموذج، انطلاقًا من شخصيّة "جودة" التي رحلت بسرّها معها، و"أمل" التي كانت ماركسيّة فتحوّلت الى الدين في المهجر منجذبة الى الجانب الروحي التصوّفي فيه، والعاهرة التّي تأثّرت بخطاب الدعاة فتحوّلت الى متديّنة مغالية، والمسلم العادي الذي تحوّل الى مسلم منغلق، وأيضًا شخصيّة الشابّ "حمِد بن ميّ" الذي وجد في التطرّف الديني وسيلة للتعبير عن نقمته. فما نراه اليوم حولنا وفي وسائل الإعلام هو الإفراط في التديّن والإفراط في العنف، خاصّة مع ما نشهده من اعتداءات خارجيّة على العالم العربي في فلسطين والعراق. لذلك أعتقد انّني لا أستطيع كفنّانة ان لا أحاول فهم ما حصل ل"حمِد" وأمثاله، فالفهم لا يعني بالضرورة التفهّم أو التعاطف، فحتّى في تناولنا لشخصيّة "قدّور" الجلاّد أبرزنا في هذا الأخير جانبًا انسانيًا ما. أنا أرفض العنف ومع الفصل بين الدين والدولة لكنّ عملنا يقوم على المحبّة والإنسانيّة لا على العداء والكراهيّة.

الموقف: بإختصار كيف تلخصّين الرسالة التي حاولتم تبليغها من خلال مسرحيّة "خمسون"؟

ج.ب: رسالتنا هي دعوة الى الحوار، فغياب الحوار هو المشكلة الأساسيّة في بلادنا. لدينا العديد من الملفّات التي يجب ان نتحاور فيها بصراحة ومسؤوليّة، كتاريخ البلاد وحاضرها، وما وصلت اليه أوضاعنا، حال الثقافة، لغتنا العاميّة التي انحدر مستواها بعد ان تمّ تهميشها من قبل البعض في الماضي، العلاقة بين المدينة والريف وغيرها... نحن بإختصار لم نعد نعرف كيف نتخاطب وعلينا ان نناضل من أجل استعادة ذلك. التعريف بالذاكرة وانتشالها من النسيان هو جزء من النضال الذي يجب ان نخوضه جميعًا من أجل إعلاء قيمة الحوار.

الموقف: في الختام ماذا تقولين للشباب التونسي؟

ج.ب: أقول لهم ما أقوله لإبنتي، يجب ان يؤمنوا بأنفسهم، أن يؤمنوا باليوم وبالغد، وانّ عليهم ان يعرفوا تاريخ بلادهم وتاريخ الأجيال التي سبقتهم كي يفهموا واقعهم ويتفادوا الوقوع في أخطاء الماضي، فتونس ليست أشجارًا وشوارع وصور وانمّا هي الإنسان، ومستقبلها هو ما سيصنعه أبنائها وبناتها بها.

حاورها غسّان بن خليفة

1 Comments:

Blogger Leila Ben Soltane said...

النسر الأسود يحلق في فضاء الشبكة العنكبوتية :)

الأحد, مارس 25, 2007 7:38:00 م  

إرسال تعليق

<< Home