الجمعة، أفريل 06، 2007

إوعوا تقولوا للشعب إن الأرض تدور

مقال أعجبني للإعلاميّة والناشطة السياسيّة المصريّة هويدا طه






مناقشة العلمانية في الفضائيات: إوعوا تقولوا للشعب إن الأرض تدور!

هويدا طه (*)

برنامج (القاهرة اليوم) الذي يقدمه عمرو أديب علي قناة اليوم ـ إحدي قنوات شبكة أوربت ـ أقدم علي خطوة يستحق عليها التحية، فقد عرض نقاشا حول كلمة (العلمانية) استضاف فيه فيلسوفين كبيرين هما الدكتور مراد وهبة والدكتور عاطف العراقي، أدار عمرو أديب النقاش بطريقة تختلف عما عودنا عليه.. فرغم كونه بالفعل خفيف الظل إلا أنه عودنا أن (يبالغ في الاستظراف) في كثير من الأحيان.. لكنه هذه المرة لم يفعلها.. بل بدا صادقا وهو يحاول أن يستحث ضيفيه علي مزيد من (التبسيط) لذلك المفهوم الفلسفي الحائر في عالمنا العربي.. بلا استظراف هذه المرة لكن دون أن يفقد خفة ظله (العفوية)، الضيفان كانت لهما وجهتا نظر مختلفتان.. الدكتور مراد وهبة يري أن العرب مهما قاوموا نهج العلمانية فسوف يفرضها عليهم التطور الطبيعي لا محالة وإن كان ذلك يحتاج زمنا طويلا.. والدكتور عاطف العراقي يري أن العلمانية لن تجد لها سبيلا ذات يوم في حياة العرب الغارقين ـ بطبيعتهم ـ في (عالم المطلقات) ويفضل بدلا من مصطلح العلمانية كلمة (التنوير)، المشاهدون الذين اتصلوا بالبرنامج لم يقولوا شيئا مفاجئا.. فهذه الكلمة تصيب العربي بالذعر أينما ووقتما قيلت! أما ما هي العلمانية ولماذا تصيب العربي بهذا (الهلع) فتلك قصة العرب التاريخية!

العلمانية هي من العالم بفتح العين وليست من العلم بكسر العين، وهي اسم لواحدة من الفلسفات التي تضع للإنسان منهجا في رؤيته لنفسه ووجوده وعالمه.. وتطبيقها (العملي) الأشهر في المجتمعات هو (فصل الدين عن السياسة)، كلا الفيلسوفين وغيرهما من الفلاسفة أيضا.. يتفقون علي أن السبب في هذا (الفصل) حسب الرؤية العلمانية هو أن الدين يقدم للبشر (حقائق مطلقة).. مطلقة أي غير قابلة للتغير دائما وأبدا.. بينما السياسة هي تفاعل البشر مع واقع نسبي.. (واقع متغير).. وإسقاط الثابت المطلق علي النسبي المتغير يعيق التقدم والتطور. هذه المفاهيم الصعبة كانت دائما موضوعا (ثقافيا نخبويا).. أي يتناقش فيه المثقفون.. لم تكن ذات يوم موضوعا للنقاش ـ علي قدر علمي ـ بين المتجمعين حول الشيشة في المقاهي أو بين ربات البيوت أو مع أكياس الفشار أمام التلفزيون! لذلك قد يكون طرحها للنقاش علي التلفزيون أمرا غريبا.. فالتلفزيون ليس وسيلة تثقيف نخبوي إنما هو وسيلة صنع وتوجيه (رأي عام)، لكن رغم غرابة الموضوع (بالنسبة لنقاش تلفزيوني) فإنه خطوة جيدة.. فجماهير ذلك الرأي العام نفسه هي من تقاوم التطبيق العلماني للعلاقة بين الدين والسياسة.. دون أن تقصد أو تعي بشكل مباشر كلمة العلمانية ذاتها، الأسئلة الكثيرة التي يطرحها هذا الأمر هو لماذا تقاوم تلك الجماهير أو لماذا يقاوم الناس فصل الدين عن السياسة؟ وهل نحن العرب فقط من نقاوم ذلك؟

ولماذا إذا سمع الناس كلمة العلمانية ينفرون منها بهذا الهلع ويصدون عنها بلا تفكير؟ وهل العلمانية هي شيء سيئ؟ وما هو البديل.. أو قل كيف هي حياتنا بدونها.. بل كيف هي حياة الآخرين الذين أخذوا بها؟ وهل من الضروري أن يكون كل الناس علمانيين؟ وهل الآخرون الذين طبقت العلمانية في مجتمعاتهم هم بالضرورة علمانيون أو يعون أنهم علمانيون؟ إلي آخره من تساؤلات يطرحها الجدل والسجال الذي يدور في العالم العربي منذ بداية القرن العشرين.. حينما بدأ محمد عبده في إثارة تلك التساؤلات.. لكن تساؤلاته التي كانت تبشر ببدء (عصر نهضة عربي) تم بترها.. فانتهي عصر (النهضة المبتورة) هذا إلي أن انتصر أصحاب الثبات علي أصحاب النسبي المتغير، ربما يكون السؤال الأهم هو: من المسؤول إذن عن (إخافة) العربي من فصل الدين عن السياسة؟ هل هي (طبيعة فيه) أن يخاف من الانطلاق في عالمه المتغير بدون ثقل (الحقائق المطلقة) أم هناك (يعقوب) هو المسؤول لغرض في نفسه عن إخافتهم من الفصل بين الدين والسياسة؟ أهمية السؤال أن إجابته تحدد أين يكمن العائق الذي يحول دون أن تنطلق مجتمعاتنا في عالمها المتغير غير مثقلة بتلك الحقائق المطلقة..

بالطبع ليس هذا اليعقوب إلا (المشايخ) ومن يتبعهم!.. فهؤلاء هم وعلي مدي قرن منذ تساؤلات محمد عبده من راحوا (يحذرون) الناس من فصل الدين عن السياسة.. وسيسوا الدين أو دينوا السياسة كي تبقي لهم تلك (الغنيمة التاريخية) ينتفعون منها مالا ونفوذا وحكما وسطوة علي العقول.. فمصيرهم إذا فصل الدين عن السياسة سيكون انزواءً في دور العبادة بعيدا عن الحكم والنفوذ الذي تتعلق به أفئدتهم! لهذا يستمر الصراع دائرا لا بين دعاة العلمانية والناس إنما بينهم وبين المشايخ، ولأن الدين متجذر في نفس العربي فإن مهمة المشايخ تكون أسهل في السيطرة عليهم.. بينما مهمة العلماني الذي يطالب بفصل الدين عن السياسة هي دائما مهمة أصعب.. وفي كتابه (تحولات الفكر والسياسة في مصر ومحيطها العربي في القرن العشرين) يقول المفكر البحريني دكتور محمد الأنصاري إن: فريق المفكرين العلمانيين انهزم هزيمة منكرة أمام الرأي العام ، وما الرأي العام هذا إلا الناس الذين يميلون للمشايخ وينفرون من المفكرين! لكن هكذا كان الصراع أيضا في (عصر نهضة أوروبا الذي لم يبتر) بين دعاة العلمانية والبابوات.. كان هؤلاء البابوات يمارسون علي العلمانيين الأوائل أبشع أشكال العنف التي سميت (محاكم التفتيش).. حتي يحتفظوا بامتيازات الثروة والحكم التي تتيحها إخافة الناس من الله! بعض العلمانيين كان يتحداهم ويدفع الثمن.. وبعضهم كان يترك الأمر للمستقبل خوفا من البطش دون أن ينجو من البطش بالضرورة! الدكتور مراد وهبة حكي قصة عن كوبرنيكوس الذي اكتشف أن الأرض تدور لكن الكنيسة حينها كانت تقتل وتحرق وتسحل من يقول بدوران الأرض.. فكان أن قال الرجل لتلامذته (إوعوا تقولوا للشعب إن الأرض تدور)! لكن رغم ذلك سمع الناس فغضبوا وأحرقوا داره! لكن الواقع.. متغير! لهذا صدق الدكتور مراد وهبة حينما قال إن العرب سيأتي عليهم يوم يقبلون فيه ولو بعد زمن بفصل الدين عن السياسة أو المطلق عن المتغير.. فبعد كوبرنيكوس بزمن طويل جاء غاليليو وقال بدوران الأرض فأرادت الكنيسة عقابه إلا إذا (تاب)! ولكبر سنه أشفق عليه أصحابه فنصحوه أن يعلن توبته في حضرة البابا.. وكانت طقوس التوبة حينها تلزم من يريد إعلان توبته أن يركع علي الأرض ويضع رأسه علي طاولة صغيرة أمامها كرسي عال يجلس عليه البابا.. ركع العالم الجليل غاليليو أمام الطاولة وكان متألما حزينا أنه سينطق بعكس الحقيقة العلمية.. قالها.. قال إنه نادم علي القول بدوران الأرض.. فمنحه البابا العفو.. لكن غاليليو وهو ينهض وفي لحظة مواجهة تاريخية ستظل مثالا حيا في التاريخ علي أن الواقع متغير.. ركل الطاولة بغضب وقال القولة الأشهر في تاريخ الإنسانية.. قال وهو يركل طاولة التوبة: ومع ذلك فهي تدور!


(*) كاتبة من مصر


(المصدر: صحيفة القدس العربي (يومية – لندن) الصادرة يوم 4 أفريل 2007)